محمد محمد أبو ليلة

131

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

في النسخ ، أو الإنساء ، كما لم يكن له دخل في الوحي والتنزيل ؛ وهذا واضح في الآية ، إذ المتحدث هو اللّه ، ويظاهر هذا المعنى ويؤكده ما أورده اللّه تعالى على لسان النبي صلى اللّه عليه وسلم في القرآن : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 15 ) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 16 ) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ( 17 ) ( يونس : 15 : 17 ) . في هذا الموضع لما طلب الكفار من رسول اللّه أن يأتيهم بقرآن غير هذا القرآن الذي جاءهم به ، أو يبدله ، ويعدله ، ليوافق هواهم ، ويصادف رضاهم في غير الحق ، أمر اللّه تعالى نبيه صلى اللّه عليه وسلم أن يقول لهم إنه ليس له أن يتدخل ، على أي نحو من الأنحاء ، في القرآن ؛ بل إنه متبع لما يوحى إليه ومبلغ له . وقول اللّه تعالى على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم : " ما يكون لي أن أبدّله من تلقاىء نفسي " ما يوحى بأن إمكان تبديل القرآن إنما هو للّه تعالى ، وليس لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ وفي هذا تأكيد للمعنى الذي قلناه ، بعبارة أخرى أن النسخ في القرآن للّه تعالى ، وهو يختلف عن التحريف تماما ، فالتحريف من فعل البشر ، وتقحمهم على كلام اللّه عز وجل ، والقرآن بهذا ينفى التبديل عن القرآن : وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) ( الأنعام : 34 ) ، ثم إن النسخ لا يخرج عن أن يكون نسخا لمأمور به ، بمأمور به آخر ، فأبدل أحدهما مكان الآخر ، وكلاهما كلام اللّه تبارك وتعالى وحكمه « 1 » . والجمهور على أن النسخ يكون في الأحكام ، والأوامر ، والنواهي ، والأخبار التي تتضمن ذلك ؛ والنسخ يجيء بالرحمة ، والتدرج بالعباد في التكاليف ، ومراعاة أحوالهم ، فربما أنزل اللّه حكما ما ، يصلح للجماعة المخاطبة به وقت التنزيل ، ثم يرفعه اللّه تعالى بعد ذلك لعدم الحاجة إليه ؛ فاللّه تعالى مثلا يجرى اللبن في ثدي الأم ، ليغذى وليدها ، فإذا كبر الولد ، وصار مستغنيا عن لبن أمه ، رفع اللّه هذا اللبن وهكذا . ونقطة أخرى مهمة ينبغي معرفتها ، وهي أن النسخ واقع في الموحى به ، وليس في المثبت في أم الكتاب ، والناسخ وهو

--> ( 1 ) انظر : المحاسبي . العقل وفهم القرآن . تحقيق حسين القوتلى بيروت . دار الكندي ودار الفكر 1402 ه 1982 م ص 65 ، ص 243 .